لغز الإقالة الغامض يثير تقاطع العلاقة بين مراكز القوى

محللون: إطاحة “دولة طه” لأنه خلط “البيزنس” بالسياسة وتمدد في مساحات ليست له

طه الحسين وأدوار ليست من طبيعة وظيفته
  • 15 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

الخرطوم – التحرير :

معلومات تسربت – ربما بخبث حسب تحليل بعض المتابعين- من داخل دهاليز القصر الرئاسي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، ونشط مرتادوها في الترويج للمعلومات التي تحمل أنباءً عن إقالة مدير مكاتب الرئيس رجل المهام الصعبة والخاصة والمقرب جداً من الرئيس البشير، الرجل ذو الشخصية الغامضة وزير الدولة برئاسة الجمهورية ومدير مكاتب رئيس الجمهورية الفريق طه عثمان؛ وما بين مصدق ومكذب ومهدد بعدم تناقل المعلومات عن الرجل المرعب، وحظر الصحف الورقية من الخوض في موضوع الإقالة، خرج البشير عن صمته الذي لازمه طوال فترة تداول المعلومات، وأصدر أخطر قرار له بعد تكوين حكومة الوفاق الوطني بإقالة أحد أقوى المقربين منه، ومدير مكتبه طه عثمان، حتى هتف أحد الناشطين في المواقع ومن الموالين للنظام بعبارة (سقط هبل)، وهو ما يوحي أن هنالك المزيد من الإقالات، وسقوط عدد من الأصنام ربما، حسب وصف الهاتف.

طه الذي يختبيء تحت عباءة رجل المخابرات، ويلف نفسه بغموض عجيب كان إلى وقت قريب بعيداً من الأضواء ويعمل في صمت، لكنه ورغم ذلك ظل من أشهر الرجالالذين حول الرئيس، ويتمتع بثقة مطلقة لا يضاهيه في تلك الثقة إلا أصدقاء البشير من العسكريين، مثل: بكري حسن صالح، وعبد الرحيم محمد حسين، وهذان الاثنان بعض ما تبقى من أعضاء مجلس قيادة الثورة، ولم يكن في مخيلة أحد حكومةً ومعارضةً أن تهتز تلك الثقة، حتى تصل إلى درجة الإطاحة برجل المخابرات، والمبعوث الشخصي للرئيس إلى كثير من الدول ومقابلة الزعماء، حتى أنه نال شرف تمثيل السودان في القمة العربية الإسلامية الأميركية الأخيرة في الرياض، وظهر منتشياً وهو يصافح رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب؛ ولكن تظل الحسابات داخل نظام الإنقاذ معقدة جداً إلى الدرجة التي ربما تصبح لغزاً غامضاً من الصعوبة بمكان تفكيكه.

“التحرير” حاولت تفكيك لغز إقالة الفريق طه عثمان من خلال لقاءات مع عدد من المحللين.

الظافر: طه دخل في مناطق تماس خطرة

نبه الكاتب الصحفي المعروف عبدالباقي الظافر عدد من المؤشرات التي رجح أنها هي التي عجلت بدك المعبد على رأس الرجل، وهدت ركناً من أركان دولة الإنقاذ العميقة، وعجلت بنهاية دولة الفريق طه عثمان، أجملها في أن تاريخ الإنقاذ يقول: إن الرئيس البشير لديه حد في التعامل بمرونة مع من يقربهم، ويوكل لهم مهاماً صعبة ثم إذا ما شعر بأن أحدهم تمدد وقوي أكثر من الحد اللازم يسارع في الإطاحة به، إما بشكل مفاجئ أو تراتيبي ممرحل حسب الحال؛ ويرى الظافر في حديثه لـ (التحرير) أن حالة طه وصلت إلى أعماق بعيدة، وتشكلت للرجل شبكة من العداوات والخصومات؛ لأنه كان يتحرك بفاعلية أكثر من منصبه، ويدخل في مناطق التماس مع دوائر أخرى دبلوماسية وأمنية، ولأنه كان يتمتع بثقة الرئيس ومهاباً جداً؛ فإن هذه العلاقة خلقت له عدوات كانت تتحين الفرصة للإطاحة به. ويرجع الظافر أمر الإقالة إلى شخصية طه نفسه الذي بدأ يحس بتفاقم في القوة وإفراطاً في النفوذ، دفعاه إلى التعامل بثقة مفرطة بوصفه الأقرب إلى الرئيس، فتحرك في مساحات واسعة بعيداً من المؤسسات، ومنها دخوله في ملف العلاقات الخارجية، وهي مناطق تماس معقدة وذات مشكلات كثيرة، بيد أن الرجل قوى نفوذه بعدد من الشخصيات، أمثال الأمير محمد بن سلمان والشيخ منصور بن زايد، ويرى الظافر أن طه وقع في شراك ربما نصبها لنفسه من حيث لا يدري أو نصبها له آخرون عندما خلط (البزنس) بالسياسة، وهي من الأشياء الأكثر خطورة عند السياسيين، والتي يجب التعامل معها بحذر شديد، وهي حسبما يقول الظافر من القضايا التي عجلت بنهاية دولة الفريق طه، وفتحت مسارات جديدة للفريق أول بكري حسن صالح، ولجهاز الأمن والمخابرات الوطني للتحرك في مساحات أوسع كان يتمدد فيها الرجل الرئاسي.

ومع ذلك كله توقع الظافر أن يعالج ملف طه بتسوية سياسية، رغم العنف المفرط الذي لازم أحداث إقالته، والتعامل معها بغضب شديد، لكن السماح لطه بمغادرة البلاد فيه مؤشر للتسوية، والرغبة في عدم التصعيد والتفاقم، وربما يقدم النظام تنازلات، ومن ثم، سيمكث طه فترة من الزمن، ثم يعود عندما يشعر بهدوء العاصفة وإنشغال الناس بقضية أخرى.

محمد ضياء: صراع مراكز قوى

وقريباً مما ذهب إليه الظافر، بدأ القيادي البارز بحزب البعث العربي الاشتراكي محمد ضياء حديثه إلى (التحرير)، وهو يرجع ما حدث للفريق طه إلى أسباب داخلية وخارجية، ويقول إن الأسباب الداخلية تبدو واضحة في صراع مراكز القوى داخل النظام، وفي الدوائر العليا الخاصة؛ بينما يرتبط الموضوع بأسباب خارجية خاصة بأدوار أوكلت إليه في الفترة السابقة، وخصوصاً العلاقة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وربما يكون لموقف السودان من أزمة الخليج دور كبير في الإقالة المفاجئة، ولكن عموماً يعدّ هذا الحدث مؤشراً لقراءة يمكن أن يستخلص منها أن الحدث له ما بعده؛ وتوقع ضياء مزيداً من الإقالات قد تطال بعض العناصرالأمنية والسياسية؛ لأن الصراع في نهايته صراع مراكز قوى، لا علاقة له بأي إصلاح سياسي.

عمار السجاد: الإطاحة في مصلحة بكري

لكن رئيس تيارالإسناد في الحوار الوطني عمار السجاد يرى أن ليس هنالك على الأقل إلى الآن أسباباً واضحة للإقالة، لأن القصر لف المسألة بغموض وتكتم شديدين؛ بيد أنه رجح أن يكون السبب هو الخلاف الخفي ما بين طه ومؤسسة جهاز الأمن والمخابرات الوطني من جهة، وما بين طه والخارجية من جهة أخرى، ومن ثم كانت الاطاحة المفاجئة، وقطع السجاد بأن أمر الإقالة سيصب بشكل كبير في صالح بناء دولة المؤسسات، وبداية لنهاية الدولة العميقة؛ وأضاف في حديثه لـ (التحرير) إن ماحدث سيمكن الفريق بكري من تنفيذ برنامج الإصلاح السياسي في الدولة.

راشد التجاني: للإطاحة أبعاد خارجية
ولم يشأ أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أم درمان الإسلامية راشد التجاني أن يتماهى مع سابقيه، ويذهب في حديثه لـ (التحرير) إلى تشخيص الإقالة بمنظور آخر، ويرجح أن تكون المملكة العربية السعودية وراء ذلك، سيما وأنها جاءت في توقيت كان فيه طه داخل أراضيها وممثلاً للرئيس، ومع أن التجاني لم يستبعد حالة الصراع الداخلي، إلا أنه ظل مصراً على أن للأزمة أبعاداً أخرى غير منظورة للكثيرين تتعلق بملف العلاقات الخارجية، وتحديداً مع السعودية.

حاتم ليس طه
اتفق الجميع على أن خليفة طه الجديد حاتم حسن بخيت لن يتمتع بصلاحيات سلفه، ويمسك بالملفات ذاتها، التي ربما أطاحت بطه، وقال السجاد إن بخيت عمل معه في لجنة الحريات بالحوار الوطني، ومع خلافاته الكثيرة معه إلا أنه يقر بقدرات الرجل وخبراته، فيما يتعلق بالإدارة والسكرتارية، لخبرته الطويلة في هذا المجال، مستبعداً أن توكل إليه ملفات سياسية، لأن الرجل ليس من عمق الحركة الإسلامية، وهو أقرب إلى المهني من السياسي؛ وكذلك ذهب الظافر في حديثه عن بخيت، وقال رغم صلة قرابته بالرئيس إلا أنه مهني ولن توكل إليه ملفات أخرى غير إدارة شؤون المكتب .

أضف تعليقاً