حين يكتب شباب شدة المحس الأمل على جدران المدرسة

حين يكتب شباب شدة المحس الأمل على جدران المدرسة
  • 22 يوليو 2026
  • لا توجد تعليقات

السمؤل محمد إبراهيم

في الشدائد العظام لا توزن الأمم بما تفقده من أسباب القوة، وإنما بما تبقيه متقدا في ضمائر أبنائها من جذوة الإيمان، وما تغرسه في نفوسهم من عزيمة لا تلين. فإذا أرخت الحروب سدولها على الأوطان، وخيّل إلى الناس أن فجر الرجاء قد غاب، وأن الحياة قد أوصدت أبوابها، قيّض الله رجالا لا يحملون من متاع الدنيا إلا صدق الإرادة، ونبل المقصد، وإخلاص العمل؛ فينفخون في رماد اليأس روحا جديدة، ويعيدون إلى الأرض نبضها، وإلى الديار بشاشتها، وإلى القلوب سكينتها، ويغرسون فيها يقينا راسخا بأن الغد المشرق لا تصنعه الأمنيات، وإنما تخطه سواعد المخلصين، وتبنيه عزائم الرجال.

وهذا هو المشهد الذي جسّده شباب شياخة شدة المحس في مبادرتهم التطوعية المشرّفة، حين التأمت قلوبهم قبل سواعدهم بقيادة الرجل الهمام مسعود عوض، فهبّوا إلى مدرسة شدة أساس للبنات لا يحملون إلا محبة المكان والإيمان برسالة الإنسان، فألبسوها ثوبا جديدا من البهاء، وجدّدوا أبوابها ونوافذها وجدرانها بطلاء أنيق، حتى غدت وكأنها تستقبل فجرا جديدا من الأمل. ولم يكن ما صنعوه مجرد عملٍ تطوعي عابر، بل كان شهادة ناطقة على أن الأوطان تبنى حين يستيقظ الضمير، وأن المدرسة ليست جدرانا تشيد، وإنما منارة تصاغ فيها عقول الأجيال وملامح المستقبل.

وقد اكتمل هذا الجهد المبارك بعطاءٍ كريم من إحدى المؤسسات الخيرية الداعمة للمشروعات التنموية، إذ تكفلت بتوفير الدهانات والمواد اللازمة عبر مشروع «ثبات»، ذلك المشروع التنموي الكبير الذي أُطلق في السودان للفترة (2024–2026)، ليكون رافدا لتعزيز صمود المجتمعات، وترسيخ الأمن الغذائي، والارتقاء بقطاع التعليم والخدمات الأساسية. وينفّذ المشروع في إطار شراكة استراتيجية تجمع منظمة صداقات الخيرية ومنظمة ميرسي كوربس وبرنامج الأغذية العالمي، بدعم من اليونيسيف والبنك الدولي، في نموذج رائد تتآزر فيه المؤسسات الدولية والوطنية لخدمة الإنسان حيثما كان.

وكان لمدارس منطقة المحس نصيب وافر من هذا العطاء المبارك، فالتقت أيادي الخير بسواعد الشباب، وتعانقت إرادة المؤسسات مع وفاء المجتمع، لتتشكل لوحة وطنية بديعة تشرق بمعاني التكافل، وتؤكد أن نهضة الأوطان لا تقوم على الموارد وحدها، وإنما على اجتماع الضمائر الحية، وأن بناء الإنسان رسالة سامية تتقاسم حملها المؤسسات الواعية، والمجتمعات التي أدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من المدرسة، ومنها يمتد إلى مستقبل الوطن كله.

ولم يكن أولئك الشباب يطلون الجدران فحسب، بل كانوا يرسمون على وجوه التلميذات بشائر الغد، ويكتبون على صفحات المكان رسالة بليغة مفادها أن التعليم سيظل منارة لا تنطفئ، وأن الأمل أقوى من كل انكسار، وأن المدرسة التي تصان اليوم ستصنع غدا أجيالا تصون الوطن.

إن هذه المبادرة ليست مجرد عملٍ تطوعي عابر، وإنما موقف حضاري يختصر وعي جيل أدرك أن بناء الإنسان يبدأ من المدرسة، وأن حماية مستقبل الأوطان لا تكون بالسلاح وحده، وإنما بالقلم، والكتاب، والفصل الدراسي، والبيئة التعليمية التي تغرس في النفوس حب المعرفة والانتماء.

وفي زمن الحرب، تكتسب مثل هذه الأعمال معاني أكبر من ظاهرها؛ فهي إعلان صريح بأن الحياة لا تزال قادرة على الانتصار، وأن أبناء الوطن، مهما اشتدت عليهم المحن، لا يزالون قادرين على إشعال شموع الأمل وسط العتمة، وبث الفرح في القلوب، وصناعة الجمال في أبسط صوره.

لقد ضرب شباب شياخة شدة المحس أروع الأمثلة في المسؤولية المجتمعية، وأثبتوا أن الوطنية ليست شعارات تُرفع، بل أفعال تنجز، وأن خدمة المجتمع لا تنتظر قرارا ولا تمويلا، وإنما تحتاج إلى قلوب مؤمنة، وسواعد مخلصة، وعقول تدرك أن كل باب يطلى في مدرسة، وكل نافذة تستعيد إشراقها، وكل جدار يعود إليه بهاؤه، إنما هو لبنة جديدة تضاف إلى صرح الوطن.

ويستحق القائد الميداني لهذه المبادرة، الأستاذ مسعود عوض، كل التقدير والثناء، فقد جمع الشباب على كلمة الخير، وأحسن توجيه طاقتهم نحو عمل يبقى أثره طويلا في نفوس الأهالي والتلميذات. فالقيادة الحقيقية ليست في كثرة الأقوال، وإنما في القدرة على تحويل الفكرة إلى عمل، والعمل إلى أثر، والأثر إلى قدوة تلهم الآخرين.

إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى مثل هذه المبادرات التي تعيد للناس ثقتهم في أنفسهم، وتؤكد أن بين ركام الحرب رجالا يصنعون الحياة، وأن بين غبار الأزمات شبابا يزرعون الأمل، ويؤمنون بأن التعليم هو الطريق الأقصر إلى التنمية، والباب الأوسع إلى نهضة المجتمعات، والحصن الذي تبنى به الأوطان وتصان به الأجيال.

فالتحية لشباب شياخة شدة المحس، والتحية للمنظمة الخيرية التي جعلت من برنامج «ثبات» جسرا يمتد بالعطاء إلى المدارس، مؤمنةً بأن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأبقى أثرا والأعظم مردودا، والتحية لكل يدٍ امتدت لتعمر بدل أن تدمر، ولكل قلب آمن بأن الوطن لا ينهض إلا بأبنائه. وستظل هذه المبادرة شاهدا مضيئا على أن الخير باقي، وأن الأمل لا يموت ما دام في هذه الأرض رجال يختارون البناء كلما حاولت المحن أن تفرض الخراب، ويؤمنون بأن المدرسة هي أول الطريق إلى نهضة الإنسان، وآخر ما ينبغي أن تناله يد الإهمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*

اقرأ أيضا