الأربعاء - 6 صفر 1448 هـ , 22 يوليو 2026 م

قوى إعلان المبادئ تقر رؤية سياسية وتتمسك بإبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من أي تسوية

الرياض… حين تصنع الشوارع ذاكرة المغتربين..!

الرياض… حين تصنع الشوارع ذاكرة المغتربين..!
عمر المونة

للغربة ذاكرة، وذاكرتها لا تُكتب بأسماء المدن وحدها، بل تحفظها الشوارع والأحياء والأزقة التي شهدت تفاصيل الحياة اليومية، واحتضنت لقاءات الناس وأفراحهم وأحزانهم. فالمكان ليس مجرد جغرافيا، بل وعاءٌ للذكريات، وجزء من وجدان الإنسان.
عشنا في الرياض جلَّ أعمارنا، وتقاسمنا تفاصيل الحياة في كنف المملكة العربية السعودية، فوجدنا من أهلها الكرم، والمحبة، والاحترام، والتقدير. وعشنا في بلدٍ جعل من احترام الإنسان قيمة، ومن سيادة الأنظمة والقوانين أساسًا للاستقرار والتنمية، حتى أصبحت الرياض مدينةً تحتضن الجميع، دون أن يفقد كل مجتمع خصوصيته الثقافية والاجتماعية.
وللغربة ملامحها التي ترسمها الجاليات في الأحياء التي تستقر فيها. فارتبطت ذاكرة الأشقاء المصريين بحي منفوحة، والباكستانيين بحي الشميسي، والبنغال بحي الوزارات، والأحباش بحي أم الحمام، وغيرها من الأحياء التي تحولت مع مرور الزمن إلى محطات اجتماعية وثقافية لأبنائها. إنها صورة جميلة للتعايش، حيث يجمع المكان بين اختلاف الثقافات ووحدة الاحترام.
أما السودانيون، فقد كانت لهم أيضًا خارطة وجدانية خاصة. فاشتهر النوبيون وأهل شمال السودان بالتواجد بالقرب من بعضهم في أحياء الناصرية والمعذر، بينما انتشرت غالبية الأسر السودانية في غبيراء ومنفوحة، وظل هذا النسيج الاجتماعي حاضرًا لأكثر من خمسين عامًا، تتناقله الأجيال وتنسج حوله الحكايات والذكريات.
ومع اتساع مدينة الرياض وتطورها العمراني، تغيرت ملامح التجمعات، وظهرت وجهات جديدة أصبحت تستقطب السودانيين، وفي مقدمتها منطقة السويدي، بما تضمه من مقاهٍ ومطاعم ومحال تجارية، فأصبحت مساحة جديدة للقاءات، وتبادل الأحاديث، واستعادة رائحة الوطن، وصناعة ذكريات مختلفة تعكس روح المرحلة الجديدة.
فالمدن لا تصنعها المباني والطرقات وحدها، وإنما يصنعها الناس بعلاقاتهم، وذكرياتهم، وقصصهم التي تبقى عالقة في المكان. وكل شارع مررنا به يحمل جزءًا من أعمارنا، وكل حي احتضننا أصبح صفحةً من كتاب الوجدان السوداني في المهجر.
ويبقى أجمل ما يتركه الإنسان في الغربة ليس أثر خطواته في الشوارع، وإنما أثر أخلاقه في قلوب الناس. فاحترام المقيم للبلد الذي يعيش فيه يبدأ باحترام أنظمته وقوانينه، والمحافظة على أمنه ومكتسباته، والإسهام في نهضته بما يستطيع. وكل مقيم هو سفير لوطنه، يعكس بأخلاقه وعاداته الحميدة الصورة الحقيقية لشعبه، فالأوطان تُحترم، والإنسان يبقى أثره بما يقدمه من قيمٍ نبيلة وسلوكٍ حضاري قبل أن يُعرف باسمه أو بمكان قدومه.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور