وداعًا كيجان.. الملهم الذي قادني إلى عشق كرة القدم أكثر

وداعًا كيجان.. الملهم الذي قادني إلى عشق كرة القدم أكثر
  • 22 يوليو 2026
  • لا توجد تعليقات

رشيد المهدية- مونتريال

عرفته عبر برنامج عالم الرياضة وأنا في الصبا. لفت نظري بشعره الكثيف، وسرعته، وتحركاته الذكية، وقدرته على إحراز الأهداف وصناعتها. لم يكن مثل مارادونا أو ميسي، ولكنه كان حالة فريدة. سحرني وهو يلعب لهامبورج في البوندسليجا..
كيفن كيجان كان لاعبًا فريدًا في عصره. يتحرك بخفة وحيوية، ويتميز بأدائه الإيجابي، فحقق كثيرًا من النجاحات، وتوج بجائزة الكرة الذهبية كأفضل لاعب في أوروبا مرتين متتاليتين عامي 1978 و1979، وهو إنجاز لم يحققه سوى عدد قليل من أساطير اللعبة..
كان أحد أعمدة ليفربول في عصره الذهبي، وساهم في فوزه بالدوري الإنجليزي وكأس أوروبا مرتين، كما فاز معه بكأس الاتحاد الأوروبي، قبل أن ينتقل إلى هامبورج ويقوده للفوز بالدوري الألماني، وبلوغ نهائي كأس أوروبا عام 1980، ليؤكد أنه قادر على صناعة المجد خارج إنجلترا أيضًا..
ولم يكن كيجان مجرد لاعب موهوب، بل كان رمزًا للاحتراف والانضباط والروح القتالية. كان حضوره في الملعب يبعث على التفاؤل، ويمنح فريقه دفعة معنوية كبيرة، حتى وهو لا يملك البنية الجسدية الضخمة التي كانت تميز بعض نجوم عصره. لكنه عوض ذلك بذكاء تكتيكي، وشخصية قيادية، وقدرة نادرة على التأثير في مجريات اللعب..
وكان اللاعب الآخر الذي سحرني بموهبته، ومن أبرز منافسي كيجان وقتها، الدنماركي آلن سيمونسن، نجم بوروسيا مونشنجلادباخ. وحقيقة، فإن الاثنين جعلا يوم الجمعة موعدًا أنتظره بشغف، لمتابعة مباريات الدوري الألماني التي كانت تبث، في العادة، مسجلة في حدود ثلاثين دقيقة للمباراة..
ومرت السنوات. وصحيح أنني احترمت بيليه لتاريخه الأسطوري الفخيم وإنجازاته النادرة، وأصبحت أعشق دييغو مارادونا بسحره الأرجنتيني الفريد، ثم زيكو البرازيلي، وميشيل بلاتيني، وروبرتو باجيو، وزين الدين زيدان، والظاهرة رونالدو، ورونالدينيو، وروبينيو، وإيدين هازارد، ونيمار، وبالتأكيد ليونيل ميسي، إلا أن كيجان كان مدخلي لفهم اللعبة بشكل مختلف..
كان يملك سحرًا خاصًا يلفت نظرك كلما شاهدته في أي مباراة يشارك فيها. وربما لم يكن الأعظم في التاريخ، لكنه كان من أولئك اللاعبين الذين يجعلونك تعشق كرة القدم بشغف..
ومرت السنوات مرة أخرى..
كنت أتمشى مع أخي الأكبر الحبيب، الخبير الكابتن معتصم، أو فوزي التعايشة، في مردف سيتي سنتر بدبي. فمررنا بمدينة ألعاب، لا أذكر اسمها، تضم لعبة تتحدى قدراتك في التسديد والتصويب على مرمى صغير..
وإذا بي أرى كيجان أمامي..
بنفس هيئته القديمة تقريبًا، مع قليل من الشيب وزيادة بسيطة في الوزن، لكنه ظل محتفظًا بذلك الحضور اللافت الذي عرفته من شاشة التلفزيون قبل سنوات طويلة..
فانتظرت اللحظة المناسبة، وحييته، وقلت له:
أنا سعيد لأنك ربحت قضيتك ضد مانشستر سيتي..
فقال لي بدهشة: “Wow… thank you. You know that?”،،
فشرحت له أنني عرفت الكرة الأوروبية وعشقتها من خلاله، وأنني كنت أتابعه عندما كان لاعبًا لهامبورج الألماني..
فشدني إليه، وربت على كتفي، وقال: “Brilliant.”،، كانت لحظة قصيرة، لكنها بالنسبة لي كانت لحظة محفورة في الذاكرة..
فاللاعب الذي عرفته وأنا في الصبا، والذي كان يطل علي من شاشة التلفزيون في مباريات الدوري الألماني، أصبح فجأة أمامي، يصافحني ويستمع إلي، ثم يربت على كتفي..
ثم سألته: ماذا تفعل هنا؟
فأخبرني أنه جزء من مشروع تلك اللعبة، أو شيء من هذا القبيل..
وبسرعة أدركت أنها فرصة لا تتكرر كثيرًا. فقلت له إنني أريد إجراء حوار قصير معه في فقرة من برنامجي “الرشيد والكرة”، الذي كانت تبثه قناة الشروق من استوديوهاتها في دبي وقتها..
فوافق دون تردد، وحدد الموعد..
وفعلًا ذهبت في اليوم المحدد، وأجريت معه حوارًا قصيرًا، لكنه كان دسم المعنى والقيمة، مع نجم إنجليزي أسطوري لعب لليفربول ونيوكاسل، وتألق مع هامبورج، وترك بصمة خالدة في تاريخ الكرة الإنجليزية والأوروبية، ليس كلاعب فقط، بل كمدرب أيضًا..
فقد قاد نيوكاسل في واحدة من أكثر فتراته إثارة، وأعاد الفريق إلى الدوري الممتاز، وصنع لاحقًا واحدًا من أكثر الفرق متعة في الكرة الإنجليزية خلال التسعينيات، بقيادة لاعبين مثل آلان شيرر، في واحدة من أجمل قصص كرة القدم الإنجليزية..
وما زلت أخشى أن تكون الحرب، وما صاحبها من تدمير ونهب “تخريب إرهابي حميدتي”، قد قضت على أرشيف برنامجي في استوديوهات قناة الشروق بالخرطوم، وأن يكون ذلك الحوار قد ضاع إلى الأبد..
كم أتمنى لو كان ذلك التسجيل ما زال موجودًا..
وحزنت كثيرًا عندما سمعت، قبل بضعة أشهر، بمعاناته مع مرض السرطان..
كنت أفكر في زيارة لندن في ديسمبر، للذهاب إلى المستشفى وعيادته، وتذكيره بلقائنا في دبي عام 2011، وبالحوار الذي أجريناه معًا، ولأقول له شيئًا من تجربة شخصية..
كنت أريد أن أطمئنه وأقول له إن “السرطان” ليس بالضرورة نهاية الطريق، وإن الإنسان يستطيع، بفضل الله، أن يتغلب عليه. فقد مررت “أنا أيضًا بتجربة صعبة مع هذا المرض”، وخضعت لعملية معقدة في دبي، والحمد لله، أخبرني طبيبي المختص في مستشفى أوتاوا العام مؤخرًا أنني شفيت تمامًا منه..
كنت أريد أن أزرع فيه، وفي كل مريض يعاني من هذا المرض الخبيث، شيئًا من الأمل..
لكن إرادة الله حاكمة..
ويبقى كيجان في الذاكرة أكثر من مجرد نجم كرة قدم..
يبقى صورة للاعب الذي أحب اللعبة فأحبته الجماهير، ولاعب لم يكن بحاجة إلى أن يكون الأعظم في التاريخ حتى يجعلك تعشق كرة القدم..
فبعض اللاعبين يرحلون عن الملاعب، لكنهم يظلون حاضرين في القلب، وفي الحكايات، وفي البدايات الأولى لعشق اللعبة..
أما أنا، فسأظل أتذكر كيف كان كيجان، ذلك النجم الذي عرفته وأنا في الصبا، جزءًا من أولى خطواتي في اكتشاف جمال كرة القدم، ثم كيف جمعني به القدر بعد سنوات طويلة في دبي، من أمام شاشة وكاميرا الشروق وبرنامجي “الرشيد والكرة” في لقاء حقيقي، وحوار قصير لكنه غني، لا يزال عالقًا في ذاكرتي..
وداعًا كيفن كيجان، الملهم..
وداعًا للاعب جعلني، مثل كثيرين غيري، أعشق كرة القدم بشكل مختلف…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*