تمر الساحة السودانية بمرحلة حرجة تتزايد فيها وتيرة التحركات الدولية، لا سيما الأمريكية، لتتجاوز حدود الضغوط التقليدية نحو تهيئة المسرح القانوني والسياسي لتدخل دولي تحت مظلة ‘الفصل السابع’. ويأتي هذا التحول الاستراتيجي بعد إخفاق الأدوات السابقة من عقوبات استهدفت القادة الميدانيين وتنديدات بالفظائع الجماعية في تحقيق اختراق حقيقي، مما دفع المجتمع الدولي للانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى محاولة إعادة هندسة مخرجاتها السياسية.
وفي جوهر هذه المقاربة، يمثل الفصل السابع أداة حاسمة لتدخل مجلس الأمن واستخدام جميع الوسائل اللازمة لفرض السلام وحماية المدنيين. وقد سبق استخدام هذا الإطار في السودان نفسه خلال أزمة دارفور، عندما تم تفويض قوات دولية بصلاحيات قتالية؛ وهو ما يؤكد أن استدعاء هذا المسار يظل خياراً قائماً ضمن الأدوات الدولية عند توصيف النزاع كتهديد للسلم والأمن الدوليين. فالواقع الميداني يوفر بيئة خصبة لتبرير مثل هذا التدخل؛ إذ تحولت الحرب المستمرة منذ عام 2023 إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، بوقوع مئات الآلاف من القتلى وتشريد أكثر من 14 مليون نازح، إلى جانب اتهامات موثقة بارتكاب جرائم إبادة وعمليات تطهير عرقي، مما يعزز السردية الدولية بأن الوضع قد تجاوز كونه نزاعاً داخلياً ليصبح كارثة إنسانية تستدعي تدخلاً قسرياً.
وفي المقابل، يبرز تعنت واضح من طرفي الحرب، سواء في رفض الحلول السياسية أو في التمسك بخيار الحسم العسكري؛ فالجيش يشترط انسحاب قوات الدعم السريع قبل الانخراط في أي مفاوضات، بينما تواصل الأخيرة توسيع عملياتها الميدانية، مما يعمق حالة الانسداد السياسي ويغذي القناعة الدولية بأن الأطراف المحلية غير قادرة، أو غير راغبة، في إنهاء الحرب. هذا التعنت يشكل أحد أهم المبررات التي تُستخدم عادة لتسويق الانتقال من الضغوط الدبلوماسية إلى الأدوات الدولية الأكثر صرامة.
إلى جانب ذلك، تلعب العوامل الإقليمية والدولية دوراً معقداً في المشهد، حيث تتداخل مصالح قوى متعددة في السودان عبر الصراع على النفوذ في البحر الأحمر والموارد الاستراتيجية. وقد دفع ذلك الولايات المتحدة إلى استهداف شبكات دولية متهمة بتغذية الحرب، في محاولة لقطع خطوط الإمداد وإعادة تشكيل ميزان القوى. وتبدو التحركات الأمريكية الأخيرة جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة ضبط المشهد السوداني، عبر الانتقال إلى مجلس الأمن واتخاذ الفصل السابع كخيار تفرضه تطورات الأوضاع في السودان والمنطقة؛ وبالتالي، فإن ما يجري حالياً يمكن قراءته كمرحلة تمهيدية تُبنى فيها حجج التدخل الدولي.
وتتزايد المؤشرات التي تُستخدم كمدخل للانتقال نحو الفصل السابع، وأبرزها تصاعد توصيف النزاع باعتباره تهديداً للسلم والأمن الدوليين داخل أروقة مجلس الأمن، وتكثيف الحديث عن جرائم واسعة النطاق قد ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، يرافق ذلك توسيع دائرة العقوبات واستهداف شبكات التمويل والتسليح، مع ضغط متنامٍ لفرض آليات مراقبة دولية أو حماية للمدنيين. كما أن العجز الواضح عن فرض وقف إطلاق نار مستدام، واستمرار الانهيار الإنساني، يعززان سردية أن الأزمة قد خرجت عن نطاق السيطرة.
وفي الوقت الذي يواجه فيه كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مأزقاً استراتيجياً متشابهاً رغم اختلاف موقعيهما، يتبدى بوضوح أنه لا أحد قادر على الحسم العسكري، ولا أحد مستعد لتقديم تنازلات حقيقية. فالجيش يواجه تحدي استعادة السيطرة الكاملة في ظل استنزاف طويل وضعف في الموارد، بينما تسعى قوات الدعم السريع لتثبيت نفوذها دون امتلاك شرعية أو قدرة على إدارة دولة. هذا الجمود خلق فراغاً فعلياً، وهو أخطر ما يمكن أن يبرر التدخل الخارجي؛ ومع استمرار التعنت تحول الصراع من معادلة داخلية إلى ملف دولي مفتوح، يصبح فيه مستقبل السودان رهينة لتوازنات خارجية.
إن نجاح الولايات المتحدة في تمرير قرار تحت الفصل السابع بشأن السودان يظل أمراً ممكناً، فقد أعدت واشنطن ملفاً قانونياً وأخلاقياً يدعم التحرك داخل الأمم المتحدة، يشمل الدفع نحو قرارات مرحلية تُستخدم كجسر تدريجي نحو إجراءات أشد، وبمعنى آخر، تحقيق نجاح جزئي عبر إجراءات مدرجة تحت الفصل السابع. ومع ذلك، تمثل العقبة في مواقف القوى دائمة العضوية، وخصوصاً روسيا والصين، اللتين تتحفظان تقليدياً على أي تفويض عسكري واسع قد يُستخدم لتغيير توازنات داخلية أو فرض نماذج حكم من الخارج، فإن استخدام حق النقض (الفيتو) يظل احتمالاً قائماً، ما يحد من قدرة الولايات المتحدة على تمرير صيغة قوية، ولذلك غالباً ما تسعى واشنطن إلى صياغات تدريجية قد تجد تأييداً من روسيا والصين.
وفي ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، قد يتغير سلوك القوى الكبرى داخل مجلس الأمن بشكل واضح، حيث تميل الأولويات إلى إدارة الأزمات الأكثر تأثيراً على التوازنات الدولية المباشرة مثل أمن الطاقة، والممرات البحرية، واحتواء التصعيد بين القوى الإقليمية الكبرى. هذا السياق يمنح الولايات المتحدة هامش حركة يمكنها توظيف خطاب “منع تمدد الفوضى” لربط السودان بسلسلة عدم الاستقرار الإقليمي، خاصة عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مع إحتمال مواجهة صعوبة حشد إجماع دولي واسع، لأن تركيز القوى الكبرى، بما فيها روسيا والصين، ينصرف نحو ملفات تعتبرها أكثر أولوية أو ارتباطاً بأمنها الاستراتيجي المباشر. وبالرغم من أن ملف السودان كان يُعامل سابقاً كملف ثانوي رغم خطورته الإنسانية، إلا أن التحولات الإقليمية والدولية الحالية جعلته جزءاً من معادلة الحرب والسلام في المنطقة التي تتطلب قرارات حاسمة.
وعلى ضوء خطة الرباعية والتحركات المصاحبة لها، فإن المسار الدولي يتجه نحو تكثيف الضغط السياسي والقانوني على الأطراف المتحاربة؛ فالترحيب الدولي بهذه الخطة منحها وظيفة أساسية داخل مجلس الأمن، باعتبارها بديلاً مطروحاً يتطلب أدوات صارمة لتنفيذها. كما أن تحولات النزاع نفسها لعبت دوراً مهماً؛ فلا حسم عسكرياً يلوح، ولا تسوية سياسية تظهر، مع توسع رقعة القتال وتعقد خطوط الإمداد والدعم. هذا الجمود يضع طرفي الحرب في مأزق استنزاف مستمر دون أفق، ويغذي القناعة الدولية بأن الطرفين يستخدمان الوقت لإعادة التموضع لا للوصول إلى حل. وفي هذه الحالة، فإن أي مؤشرات على تعمد التعطيل أو نقض الالتزامات ستُترجم سريعاً إلى مبررات لإجراءات تحت الفصل السابع.
إن تعثر المسارات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب، والانحدار الحاد في الأوضاع الإنسانية، واتساع رقعة الانتهاكات، كلها عوامل تعيد تشكيل تقديرات المجتمع الدولي وتعزز فرضية أن الأزمة تجاوزت قدرة الأدوات الدبلوماسية التقليدية على الاحتواء. وفي ظل هذا الانسداد، تتزايد احتمالات الانتقال إلى تدخل ذي طابع قسري، سواء عبر آليات الفصل السابع في منظومة الأمم المتحدة، أو من خلال تفعيل مقتضيات البند الرابع في إطار الاتحاد الأفريقي، بما يسمح بتدخل إقليمي لحماية المدنيين ومنع تفكك الدولة؛ وبذلك، أصبح التدخل احتمالاً متقدماً. خاصة بعد تزايد الاهتمام الدولي بالسودان ضمن سردية أوسع عن نطاق عدم الاستقرار الإقليمي، ومع تعذر التوصل إلى هدنة إنسانية واستمرار الانزلاق الميداني نحو مزيد من التفكك، تتراكم داخل مجلس الأمن المبررات القانونية والسياسية لتفعيل الفصل السابع، خاصة في ظل اعتبار الوضع في السودان تهديداً عابراً للحدود يمس أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
إن تجنب الوصول إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يتطلب تغييراً ملموساً في سلوك الأطراف، وليس مجرد مواقف خطابية؛ فأولاً: يظل العامل الحاسم هو كسر حالة التعنت، إذ إن استمرار الحرب دون أفق سياسي هو أقوى مبرر لأي تدخل دولي، وبالتالي فإن وقف إطلاق نار حقيقي يعد إشارة مباشرة بأن الأطراف ما زالت تملك القدرة على ضبط الصراع. ثانياً: إطلاق عملية سياسية ذات مصداقية لا شكلية؛ فالمجتمع الدولي يبحث عن مسار يمكن البناء عليه، وأي حوار يجب أن يتضمن ضمانات واضحة، وجدولاً زمنياً، وآلية رقابة، ومشاركة مدنية حقيقية. ثالثاً: تحسين الوضع الإنساني بشكل ملموس ووقف الانتهاكات والجرائم التي تعد من أبرز مداخل التدويل، وذلك بفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، والتعاون الفعال مع المنظمات الدولية. رابعاً: توحيد الموقف الداخلي والإقليمي؛ فالتضارب في الأجندات الإقليمية والانقسامات الحادة داخل القوى المدنية يعطي انطباعاً بأن السودان ساحة مفتوحة للصراع بالوكالة، وبناء جبهة مدنية وسياسية موحدة يعزز فكرة أن الحل يمكن أن يكون سودانياً خالصاً. خامساً: تقديم مبادرة وطنية استباقية بدلاً من انتظار الضغوط الدولية، عبر صياغة إطار سوداني للحل يتضمن ترتيبات انتقالية، وخارطة طريق للحكم، وآليات واضحة للعدالة.
وفي نهاية المطاف، فإن تجنب الفصل السابع لا يتحقق برفضه سياسياً أو إعلامياً، بل بإزالة أسبابه الموضوعية على الأرض. فكلما بدا أن الأطراف قادرة على احتواء الأزمة، تراجع مبرر التدخل؛ أما استمرار الحرب، مع تفاقم الانتهاكات وانسداد الأفق السياسي، فهو عملياً دعوة مفتوحة لتدويل الأزمة.