بناءً علي : ذهب الظمأ وفي رواية اخري لون العطش

  • 22 أبريل 2021
  • لا توجد تعليقات

تاج السر الملك



جلست انقب في سحارة ذكرياتي الغابرة، ذات لحظة حنين للبلاد والعباد، فتذكرت الساعة الثالثة ظهراً، الثالثة الحمقاء ، في أي رمضان سوداني تختاره، وفي اي سنة او فصل شئت ، ميقات تتأبى عقارب الساعة فيه عن المضي قدماً، لثانية او لو جزء من الثانية، ساعة يصاب فيها النهار بالحران، وبينك وبين الآذان فراسخ تتسع للدهر، والمؤذنين خروج بلا عودة، بعضهم إلى جزر الكاريبي، وبعض مناحٍ قصية، من بينها القوقاز والسكا، ولا أحد يعلم من سيؤذن للمغرب حين يحين موعد الإفطار ، حتى يذهب الظمأ وتبتل العروق، ويتوفر بعض سائل للدمع، نتأسى به علي ثلاثين عاماً، ناء فيها بوطء كلكل الكيزان، هذا الوطن الوادع.
الساعة الثالثة في نهار رمضان السودان، تتوقف الأرض فيها عن الدوران، حول الشمس، فالصيف أبدي، أو حول نفسها، فالنهار سرمدي.
ثم فتحت الذاكرة، فصل المدينة، وفي اضبارة علا متنها الغبار، رأيته، هنالك في أقصى أركان المنطقة الصناعية، في (مدني)قائماً على عمدٍ بائسة، مصنع أو أنه يعرف بالمصنع، بلا لافتة حتى، ولا أثر يدل عليه، ولا من يعرف من أوجده، أو من اكتشف وجوده، واهتدى وهدى الناس إلي سبيله، ولكنه موجود هناك، معمل يعبأ فيه سائل إسمه عصير البرتكان، في زجاجات خضر، رقابها رهيفة ممتدة كسحاحة، سائل له نكهة متواضعة من خليط (زيت التربانتين) و(الشيري)، ولمحة من روح البرتكان، ولون أصفر معتكر، يفتح ابوابه في شهر رمضان، وينسد في بقية شهور الهجرة. والرحلة إلى هذا المكان، تقطع في غير نهار رمضان، ساعة ونصف في الذهاب والإياب، تعود منها في نهار رمضان، بعد اداء مناورات ما يعرف (بتكسير الوكِت)، وقد بلغ منك الإنهاك مبلغ ما يصيب عداء ماراثون، لتجد أن (الوكِت) غيره في رمضان، لا يتكسر أبداً، وأن الساعة التي حلمت بأنها ستكون حسب منطق الرياضيات والفيزياء النووية والكوانتمية، الرابعة والنصف، تقدمت مسافة خمس دقائق فقط، فهي الثالثة وخمس دقائق بالضبط، وكل ثانية لها وقعها في القلب.
لابأس، ساعة ستقضيها في تمديد (الخرطوش) الساخن الذائب المتهالك على نفسه، في ركن البيت، زاوية باب الحوش ذو المظلة الأسمنتية والحمام، ستتهيأ لطقس رش الحوش، لساعة تعادل في نهار رمضان دقيقتين، وهذا أقرب ما يكون إلى الوصف المذكور في أغنية (الحب والظروف)، الساعة أقصر من دقيقة، لتكن دقيقتين لافرق ولا غرابة، سترش الحوش وترابه ذرة ذرة، ركناً ركناً، الريحان والحنة، والجيران والحِله، وفي عمق هذه الأثناء، وجهك وقدميك المغبرتين، الحوائط حتى تنفث صهدها، ويتساقط عنها الطِلاء، والمعزتين وقفص الدجاج، وكل نبت طفيلي، وكل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الشعب، تعبئ باطن الأزيار وتغسل ظاهرها، تتملكك الرغبة في اختلاس النظر إلى (السيكو) التي تشنق معصمك، أداة زينة في غيرما نهار رمضان، ولا جدوى، وبعينين كابيتين، إنطفأ فيهما البريق، تنظر (البرتكان) داخل الزجاجات الخضر الشفافة، وقد أختلط لونها ولون السائل، فأنتجا ما يمكنك تسميته بلون العطش. تدق الرابعة، والأرض في مكانها تسير، العسكريون يسمون ذلك خطوات تنظيم.
أدركت الجمعة (صلاح)، وهو في مكان يبعد كثيرأً عن جامع الهجرة، الذي اعتاد أداء الصلاة فيه، وفي تجواله في الطرف النائي، رأى مئذنة متوسطة الطول، موزيك وزخارف عربية ونوافذ بأقواس إسلامية، أوقف سيارته في عجل ليلحق بالخطبة، توضأ، بسمل حوقل، دخل الجامع والجمع شاخصون بأبصارهم نحو المنبر، جلس فوقف الإمام متكئاً على عصاه، قال والقوم خشوع (بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه الأمين سيدنا محمد “صلعم” وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد)، ثم انبرى
(إز طريق مسلماان عزيز وسبس ممكن است شما همجنين روزة در دين توسط شما نوشت …..)
فأدرك أنه في غير ما مكانه، و الناس يهزون رؤوسهم إعجابا وتعجباً، حتى إذا أتي لنهاية الخطبة، وجاء وقت الدعاء، رفع صلاح يديه مع القوم، حتى لا يحسب في زمرة الكفار
(اللهم نوشت صدام حسين، ودجاج أربيل نسيان قادسية ابدا)
فصاح صلاح بصوت جهير: آمين.
كنا نعود من غزوة جلب قناني العصير والذي ليس هو بعصير، جوعى، عطشى، حتى يتراءى لنا البرسيم، الذي يبيعه رجال على حواف الطريق، شهياً، أشهي والذ طعماً من سلطة (فتوش)،
قال لي صديقي الحنكوش (و الله أحلى حاجة في رمضان ده ياعمو، عصير القنقلوز، ماما بتعملو) ..إنتهى.
في الساعة الخامسة، تبدأ افواج (الطافيات) في غزو ناظريك، تسبح في غزارة على مرمى بوصة من وجهك، تهرش عينيك هرشاً، وهاهي ذي تعود أشد باساً، برسومها المفصلية في دقتها الهندسية، ما أن تتبعها بعينيك، حتى تفر منك، تعود حين تصرفه عنها، أميبية لا تعلم إن هي حقيقة أم وهم، وفي الخامسة وخمس دقائق، حاورني جارنا الشيوعي فقال (الرسول صام تسعة رمضانات، دي مش مفروض تكون سُنّة؟)، و حينما سأله القوم، لماذا تصوم أنت أصلاً، أجاب (رجالة سااااي). وأفطر صديقنا ابو الجاز تلك السنة، متعللاً بدعوى أن طبيب العيون اوصاه بلبوس النظارة الطبية، وضعف النظر مرض قال بأنه يبيح الإفطار.
ليلة القدر:
حدثني (بيجو)، وهذا اسمه، مسرع، يكسر (الوكِت) إيما تكسير، ومتى ما أراد، في مقتبل صباه، ومنتهى عنفوانه، عاطل عن اي موهبة او صنعة، سوى المروءة في دفع العربات، وحيوية زائدة بلا جهة تبذل فيها، حدثني بعد الإفطار، والسجارة الاولى تفعل سحرها، بعيداً عن أعين الأعمام الغلاظ، دوخة لا تدانيها (دوخة العرب)، “ياخي في مرا عجوز خواجية في الانترنت، قالت لي أنا معجبة بيك، ولو عايز بتعمل لي فيزا وتيكيت، تجي تسكن معاي هنا في ألمانيا قالت، عليك الله دي ما ليلة القدر؟”
أجبته “شوف لي لو عندها اخت”.

التعليقات مغلقة.