ما فعله دونالد ترامب تجاه فنزويلا، وتجاه رئيسها أياً كان اسمه أو صفته، لم يكن موقفًا أخلاقيًا ولا انتصارًا للقيم، بل إهانة كبرى لدولة ذات سيادة وشعب كامل. غضّ النظر عن مادورو كشخص، وعن سجل نظامه، لا يغيّر حقيقة جوهرية: لا يحق لرئيس دولة أجنبية أن يتعامل مع بلد آخر بمنطق الإذلال السياسي ونزع الكرامة الوطنية، مهما كانت الذرائع، ومهما بلغت الانتهاكات الداخلية.
تدرك الولايات المتحدة، تاريخيًا وبوضوح لا لبس فيه، أن دول أمريكا الجنوبية تمثّل عمقها الاستراتيجي وحديقتها الخلفية وأحد أعمدة أمنها القومي. وهي ترى في أي تمدد صيني أو روسي داخل هذه المنطقة تهديدًا مباشرًا لوجودها ونفوذها في “بحرها الجيوسياسي”. هذا هاجس قديم متجدد، يتقدّم فيه منع الصين اليوم، وربما روسيا غدًا، وربما قوى أخرى بعد ذلك، على أي اعتبار أخلاقي أو إنساني. لكن فهم هذا المنطق لا يبرّره، ولا يمنحه شرعية أخلاقية.
نعم، قد يكون ما فعله ترامب قد جنّب فنزويلا حربًا مفتوحة كانت ستقضي على الأخضر واليابس. وربما أوقف انزلاقًا دمويًا أكبر. لكن تفادي الحرب لا يشرعن الإهانة، ولا يحوّل الإذلال إلى أداة مشروعة في السياسة الدولية. الأمن القومي الأمريكي، مهما عَظُم، لا يمنح واشنطن حق كسر كرامة الدول والشعوب، ولا تخويلها ممارسة الوصاية الفجة على مصائر الآخرين.
المشكلة الجوهرية أن ما جرى لم يكن مجرد ضغط سياسي، بل استعراض قوة قائم على تحقير السيادة. إهانة مادورو لم تكن موجهة لشخصه فقط، بل كانت رسالة قاسية إلى الشعب الفنزويلي مفادها أن دولته يمكن أن تُدار من الخارج، وأن كرامته الوطنية قابلة للتفاوض في بورصات المصالح الدولية. وهذه رسالة خطيرة، لأنها تفتح الباب لتطبيع الإذلال كسياسة.
السياسة الدولية، رغم كل ما أصابها من انحطاط، يفترض أن تلتزم بحد أدنى من الأخلاق. لأن اللحظة التي يصبح فيها كسر السيادة أمرًا عاديًا باسم “التهديد الصيني” أو “الخطر الروسي”، هي اللحظة التي يتحول فيها العالم إلى ساحة نفوذ لا قانون لها، وتُختزل الشعوب إلى أوراق ضغط، لا أصحاب حق.
ثم إن الأخلاق لا تُقاس بالنتائج وحدها. قد تمنع خطوة ما حربًا آنية، لكنها تزرع بذور صراعات لاحقة. فالشعوب التي تُهان لا تنسى، والدول التي تُكسر إرادتها لا تستقر، والعدالة التي تُمارس بازدواجية لا تصنع سلامًا، بل تؤسس لغضب مؤجل.
صحيح أن السياسة في عالم اليوم لا تعرف الأخلاق إلا نادرًا، وأن المصالح تحكم ولو على حساب كل شيء. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني القبول بها ولا تبريرها. هناك فرق بين قراءة الواقع ببرود، وبين الاستسلام لمنطق القوة بوصفه قدرًا.
الخلاصة الأخلاقية الصارمة:
يمكن فهم هواجس أمريكا الاستراتيجية دون تبرير إهاناتها.
يمكن رفض تمدد الصين وروسيا دون سحق كرامة الدول.
ويمكن تجنب الحرب دون تحويل السيادة إلى مادة للإذلال.
أما السياسة التي تتخذ من الإهانة وسيلة، ومن كسر الدول أداة، فهي سياسة قد تربح نفوذًا مؤقتًا، لكنها تخسر احترام العالم وضميره على المدى البعيد.